محمد بن جرير الطبري
351
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ذلك : فلم قتلتم أنبياء الله من قبل ، كما قال جل ثناؤه : ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ) [ سورة البقرة : 102 ] ، أي : ما تلت ، ( 1 ) وكما قال الشاعر : ( 2 ) ولقد أمر على اللئيم يسبني . . . فمضيت عنه وقلت لا يعنيني ( 3 ) يريد بقوله : " ولقد أمر " ولقد مررت . واستدل على أن ذلك كذلك ، بقوله : " فمضيت عنه " ، ولم يقل : فأمضي عنه . وزعم أن " فعل " و " يفعل " قد تشترك في معنى واحد ، واستشهد على ذلك بقول الشاعر : ( 4 ) وإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى . . . من الأمر ، واسْتِيجابَ ما كان في غد ( 5 ) يعني بذلك : ما يكون في غد ، وبقول الحطيئة : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه . . . أن الوليد أحق بالعذر ( 6 )
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 60 - 61 . ( 2 ) هو رجل من بني سلول . ( 3 ) سيبويه 1 : 416 ، الخزانة 1 : 173 ، وشرح شواهد المغني : 107 وغيرها كثير . وروايتهم جميعا " ثمت قلت " . وبعده بيت آخر : غضبان ممتلئا علي إهابه . . . إني وربك سخطه يرضيني ( 4 ) هو الطرماح بن حكيم الطائي . ( 5 ) ديوانه : 146 ، وسيأتي في 4 : 97 ( بولاق ) ، وحماسة البحتري : 109 ، واللسان ( كون ) وقد كان في هذا الموضع " بشكرى " ، وهو خطأ ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب . وروى اللسان : " واستنجاز ما كان " . وصواب الرواية : " فإني لآتيكم " فإنه قبله : من كان لا يأتيك إلا لحاجة . . . يروح بها فيما يروح ويغتدى فإني لآتيكم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( 6 ) ديوانه : 85 ، ونسب قريش : 138 ، والاستيعاب : 604 ، وأنساب الأشراف 5 : 32 ، وسمط اللآلئ : 674 . قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان من رجالات قريش همة وسخاء . استعمله أبو بكر وعمر وعثمان ، فلما كان زمان عثمان ، رفعوا عليه أنه شرب الخمر ، فعزله عثمان وجلده الحد ، وكان لهذا شأن كبير ، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه ، ويذكر عزله : شهد الحطيئة حين يلقى ربه . . . أن الوليد أحق بالعذر خلعوا عنانك إذ جريت ، ولو . . . تركوا عنانك لم تزل تجري ورأوا شمائل ماجد أنف . . . يعطي على الميسور والعسر فنزعت ، مكذوبا عليك ، ولم . . . تردد إلى عوز ولا فقر قال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش : " فزادوا فيها من غير قول الحطيئة : نادى وقد تمت صلاتهم . . . أأزيدكم ? ثملا ولا يدري ليزيدهم خمسا ، ولو فعلوا . . . مرت صلاتهم على العشر وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد ، وما كان من شعر الحطيئة فيه . وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش ، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة ، متكذب على الوليد ، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه . ولقد جلد الوليد بن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة ، فاعتزل الناس . وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي ( ورقة : 196 ) قال : : " قال الوليد بن عقبة عند الموت ، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة : " اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على ، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا ، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم . انتقم لي منهم ، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي " . فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم .